المزيد في كتاب و آراء

مناسبات

علال


خرج علال من منزله الصفيحي، ماسكا بيده اليسري قفة من الدوم، متأبطا صنارته الطويلة ذي اللون الأسود بين إبطه الأيمن، وقد لف حول عنقه كوفية من الصوف  خوفا من أن يصاب بنزلة برد، حيث هو سائر إلى البحر كي يرتزق منه، صادف في طريقه كالعادة العديد من القطط، التي تعرفه حق المعرفة، تجمعوا حوله، وصار في وسطهم كأنه حكواتي يحكي لهم القصص الخيالية.

علال ليس برجل قَطَط، حيث أخرج من جيب جلبابه البلاستيكي قطع الخبز المفتت، وقام بتوزيعها على الهررة بقطع صغيرة وأخرى كبيرة شيئا ما. نظروا إلى علال نظرة ازدراء واحتقار، فطن أنهم يأنفون من ذلك، فهم يرغبون في السمك الطري عوض هذا الخبز الحافي.

 قال علال بصوت خشن تشوبه فضاضة وغلظة، يامعشر القطط ليس معي الأن سمك قط، إنتظروا عودتي سأكرم وفادتكم من الطعام المفضل لديكم.

القِطط كأنها فهمت ما نبس به علال الصياد، أطرقوا رؤوسهم ثم تفرقوا إلى حال سبيلهم.

كعادته علال إلتقى في طريقه بأصدقائه من الصيادين، تبادلوا التحية، ودردشوا قليلا حول البحر وأحواله. تدلت كوفية علال من حول رقبته، وقف كي يستجمعها، لكن عاودت في التدلي مرة ثانية، إنزعج علال من ذلك، لفلفها بكلتا يديه وأدخلها في القفة بقوة و عصبية، حيث بسببها سب الدين والملة.

   الصيادون : إنعل الشيطان ياعلال، لا تكون عصبي في هذا الصباح الرائع، ما عهدنا عليك بذلك.

علال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هيا نسترزق الرزاق وكفاكم نصحا، هيا، البحر أمامكم.

   كل صياد أخذ مكانه المعهود، بينما علال مازال لم يستعد بعد للصيد، أخرج غليونه من غطاء جلبابه الخلفي، ثم قام بحشوه بمخدر من القنب الهندي، واضعا الغليون بين فمه، وإستدار عكس هبوب الرياح، ثم ضغط على زناد الولاعة كي يشعل سلاحه الفتاك الذي فتك بصحته وماله دون أن يشعر بذلك. نفث الدخان من فمه الخالي من الأسنان، ماعدا سن وحيد مسوس ومتآكل بفعل السنون والأيام التي قضاها في البحر، كأن عوامل التعرية قد عرَّت على فاه علال.

   لملم معداته التي تذهب العقل، أو بالأحرى منشطاته التي تحفزه على الصيد. ثم إبتعد عن الصيادين بأمتار بعيدة، حيث إنحنى بظهره، حتى أصبح  كالقوس، ليتمكن من إخراج الطعم من القفة التي أصبحت مبللة بندى الصباح.

   بعدما ركب الطعم في رأ س الصنارة، قال بصوت عالي يافتاح يارزاق، و رمى بصنارته في البحر، ثم شرع في التغني بأهازيج الصيادين و البحارة، فجأة شعر بشيء يجذبه إلى الأمام، أكيد أنها سمكة كبيرة، لا شك في ذلك، سمر رجليه في الأرض كجلمود الصخر، كي لا يندفع إلى الأمام، سحب الصنارة بكل ما تحمل قواه، أراد أن يطلب العون من الصيادين، لكن لا جدوى، إنه بعيد عنهم، والضباب كثيف، يتعذر عليهم أن يروه.

     جر علال بخبرة السنين بكرة  الصنارة، حتى أصبحت يديه معرقتين من شدة السحب والجر، السمكة شيئا فشيئا بدأت تطفو فوق سطح المياه، قسمات وجه علال تعبر عن فرحه باقترابه من إصطياد هذه السمكة الكبيرة.

   وهو بين السحب والجر، يفاجئ بشيء ليس بسمكة، إنه صندوق خشبي محكم الغلق، تبادر لذهن علال أن هذا كنز عظيم، ربما لإحدى السفن الغارقة منذ زمن بعيد هنا.

سحب علال الصندوق الخشبي بإضطراب وسرعة. لأن الضباب على وشك أن يزول، وإذا وضحت الرؤيا، قد ينكشف أمر هذا الكنز العجيب الذي جاد به البحر على علال.

    وضع الصنارة بجانبه الأيسر ثم أرسى بعناية  الصندوق الخشبي على صخر أملس، نزع جلبابه الأخضر البلاستيكي وغطى به الصندوق من كل الحواشي والجوانب بغية إخفاء معالمه، تخلص من القفة والصنارة ليتفرغ إلى حمله، جثى على ركبتيه حيث يَسهُل عليه رفعه وقام بوضعه فوق كتفه الأيمن وأمسكه بحرص شديد، ثم غادر وهو يتمايل ويتهادى بين الصخور.

الحمل ثقيل، وعورة الصخر، ونعل لا يساعد على المشي. عوائق لم تزد علال إلا صلابة في إكمال طريقه نحو البيت.

  حط علال الصندوق من فوق كتفه بصعوبة أمام بيته، أدار رأسه يمينا ويسارا بارتياب، ثم أدخل يده في كوة الحائط بجانب باب المنزل، ليخرج منها المفتاح، كعادته دائما.

فتح الباب بسرعة مضطربة وجر الصندوق بسواعده المشعرة بكل ما أو تي من قوة وصلابة وغلّق الباب برجله اليسرى وجلس على كرسي مصنوع من نسيج يطوى ويفتح عند الحاجة، استرجع أنفاسه، تنهد ثلاثة تنهيدات، ثم إرتمى إلى الغُراف ليغترف الماء من الخابية، وهو يشرب، سمع أن شيئا ما قد نامة من الصندوق، مما جعله يستغرب ويضع الغراف في الأرض بإرتجاف ووجل، واتجه بيديه لفتح الصندوق، أزال الجلباب من فوقه، إستعان بإسفين صدىء، ثم ضرب ضربتين متتاليتين، إنبثق الصندوق شيئا فشيئا في الكسر.

     وضع علال الإسفين جانبا، ثم رفع غطاء الصندوق بكفيه المتجعدتين، إصطدم وإندهش بما رآه من عجب عجاب. إستلقى على ظهره ضحكا وشماتة من هذا الصندوق اللعين. بعد برهة بدأت تخرج السلاحف والغيالم الواحد تلو الآخر، حيث تحلقوا حول جسد علال في مشهد إستعراضي يقتل بالضحك.


التعليقات الواردة اسفله تعبر عن رأي اصحابها و ليس رأي أخبار سطات


صوت و صورة